كمصمم حقائب تدريبية، تخيل الموقفين التاليين في عملك:
- الموقف الأول: يتصل بك عميل ويقول: "نريد تصميم حقيبة تدريبية لموضوع (X)". الخطأ هنا أن تسأله مباشرة: "ما حجم المعرفة التي يمتلكونها؟"، ليرد عليك عفوياً: "قليلة" أو "لديهم بعض المفاهيم والمهارات".
- الموقف الثاني: يتصل بك عميل آخر ويقول: "نريد تصميم ثلاث حقائب تدريبية لموضوع (X) مقسمة إلى ثلاثة مستويات: (مبتدئ، متوسط، متقدم)". الخطأ القاتل هنا هو الاستعانة بكتاب أكاديمي وتوزيع فصوله؛ باختيار الفصول الأربعة الأولى للمستوى المبتدئ، والفصول الأربعة التالية للمتوسط، والفصول الأخيرة للمتقدم.
ثمة خطأ شائع في تصميم البرامج التدريبية يتمثل في تقسيم مستويات الجدارة (مبتدئ، متوسط، متقدم) بناءً على "درجة إلمام" الموظف بالمادة التدريبية؛ حيث يُفترض خطأً أن المبتدئ هو من يفتقر للمعلومة والمهارة تماما، والمتوسط هو من امتلك قدراً متوسطاً منها، والمتقدم هو من استوعبها بالكامل تقريباً. هذا النهج التقليدي يُطلق عليه "التدريب المتمركز حول المادة العلمية"؛ لأنه يركز على التطوير المتسلسل للمحتوى بمعزل عن الاحتياج الفعلي للوظيفة ومهام الموظف.
إن الهدف الجوهري للتدريب الاحترافي ليس "التطوير الخطي الأكاديمي" لمعارف الموظف خطوة بخطوة، بل هو تأهيله الكامل للوفاء بمتطلبات الأداء الفعلي المحددة لكل مرحلة في مساره المهني. فالموظف لا يحتاج إلى كل المعارف في كل الأوقات، بل يحتاج إلى كفايات وجدارات نوعية تتناسب تماماً مع دوره ومستواه الوظيفي الحالي وصلاحياته المتاحة؛ وهذا ما يتطلب تصميم التدريب ليكون "متمركزاً حول الدور الوظيفي".
التدريب "المتمركز حول الدور الوظيفي" يفرض تصميم البرنامج التدريبي كاستجابة مباشرة للتوقعات والمسؤوليات المنوطة بالموظف في مرحلته الحالية؛ حيث يمثل كل مستوى وظيفي حزمة متكاملة ومستقلة من الكفايات (KSA) التي تضمن فاعلية الموظف في إنجاز مهامه فوراً.
إن هدف التدريب الجوهري ليس تحويل المتدرب إلى عالمٍ بأسرار المادة التدريبية، بل تقديم محتوى وأنشطة تمكنه من الوفاء بمتطلبات دوره الوظيفي الفعلي وسد فجوة أدائه الميداني. وبناءً على هذا السياق، تم تقسيم كل مهارة وجدارة إلى خمسة "مستويات إتقان"؛ يعبر كل مستوى منها عن درجة ومستوى استخدام الفرد لهذه المهارة بكفاءة في مواقف العمل الحقيقية؛ فهناك مستوى يطبق المهارة -مثلاً- من خلال الالتزام التام بالقواعد والتعليمات القياسية فقط، ومستوى أعلى يطبقها بمرونة كاملة في مواقف وحالات استثنائية جديدة.
يُفهم من ذلك أن مستوى الإتقان ليس مرتبطاً بالمستوى الوظيفي (الرتبة الإدارية)، وإنما هو مرتبط ارتباطاً وثيقاً بـ "طبيعة ومستوى استخدام تلك المهارة داخل الوظيفة".
هذا يعني أنه ليس شرطاً بالضرورة أن يكون "المدير" خبيراً في كل المهارات بينما "الموظف الجديد" مبتدئاً فيها؛ فقد يشغل الشخص منصباً إدارياً كبيراً ولكنه في مستوى "المبتدئ" عند التعامل مع مهارة أو نظام عمل جديد، وفي المقابل قد يكون الموظف التنفيذي في مستوى "الخبير" في مهارته التخصصية.
📝 مثال: موظف يعمل منذ 10 سنوات في قسم خدمة العملاء، وبسبب تميزه تمت ترقيته إلى منصب "مدير قسم". هذا الموظف في مهارة خدمة العملاء والتعامل مع الجمهور يُصنف في مستوى "الخبير"، ولكنه في كفاية إدارة الفرق، والقيادة، والتخطيط الاستراتيجي قد يُصنف في مستوى "المبتدئ"؛ لأنه يمارس دوراً ومهارة جديدة كلياً عليه.

